أبي منصور الماتريدي

469

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

مضت السنة من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في بعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها ، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعد : أبو بكر ، وعمر ، والأئمة الراشدون ، وظهر العمل بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت ، حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه الزكاة : والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حاربتهم عليها . فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة الإمام أصحاب الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم . وقد بين الله تعالى وجوب ذلك بيانا شافيا بقوله : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [ التوبة : 60 ] الآية ، فجعل للعاملين عليها حقّا ، فلو لم يكن على الإمام أن يطالب بصدقات الأنعام في أماكنها ، وكان أداء ذلك إلى أرباب الأموال ؛ ما كان لذكر العاملين وجه ، ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق « 1 » وأموال التجارة « 2 » ،

--> - ثم قال الحنابلة : تفرقتها بنفسه ، أولى وأفضل من دفعها إلى الإمام ؛ لأنه إيصال للحق إلى مستحقه ، فيسلم عن خطر الخيانة من الإمام أو عماله ، ولأن فيه مباشرة تفريج كربة من يستحقها ، وفيه توفير لأجر العمالة ، مع تمكنه من إعطاء محاويج أقربائه ، وذوي رحمه ، وصلتهم بها ، إلا أنه إن لم يثق بأمانة نفسه فالأفضل له دفعها إلى الساعي ، لئلا يمنعه الشح من إخراجها . أما لو طلب الإمام العادل الزكاة فإنه يجب الدفع إليه اتفاقا ، وسواء كان المال ظاهرا أو باطنا ، والخلاف في استحقاقه جمع زكاة المال الباطن لا يبيح معصيته في ذلك إن طلبه ؛ لأن الموضع موضع اجتهاد ، وأمر الإمام يرفع الخلاف كحكم القاضي ، كما هو معلوم من قواعد الشريعة . وصرح المالكية بأن الإمام العدل إن طلبها فادعى المالك إخراجها لم يصدق . ينظر : المغني ( 2 / 641 - 643 ) ، وفتح القدير والعناية ( 1 / 487 ، 488 ) ، والدسوقي ( 1 / 503 ) ، والأحكام السلطانية للماوردي ( ص 113 ) ، وشرح المنهاج ( 2 / 42 ) ، وتحفة المحتاج ( 3 / 344 ) ، والمجموع ( 6 / 167 ، 168 ) . ( 1 ) يقال للفضة المضروبة : ( ورق ) و ( رقة ) ، وقيل : تسمى بذلك مضروبة كانت أو غير مضروبة ، ونصاب الفضة مائتا درهم بالإجماع ، وقد ورد فيه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة » والأوقية 40 ( أربعون ) درهما ، وفي كتاب أنس المرفوع : ( وفي الرقة ربع العشر ، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها ) . ثم الدرهم المعتبر هو الدرهم الشرعي ، وما زاد عنه أو نقص فبالوزن . وقيل عند بعض الحنفية : إن المعتبر في حق كل أهل بلد دراهمهم بالعدد . ينظر : المصباح مادة : ( ورق ) ، وشرح فتح القدير ( 1 / 522 ، 524 ) ، وابن عابدين ( 2 / 30 ) ، والمغني ( 3 / 2 ) ، والشرح الكبير ( 1 / 455 ) . ( 2 ) التجارة تقليب المال بالبيع والشراء لغرض تحصيل الربح . جمهور الفقهاء على أن المفتى به هو وجوب الزكاة في عروض التجارة ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [ البقرة : 267 ] . وبحديث سمرة : ( كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع ) . وحديث أبي ذر مرفوعا : « في الإبل صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البز صدقتها » وقال -